كلمة فضيلة الإمام العلامة الأستاذ الدكتور/ على جمعة 

مفتى الديار المصرية 

العودة لصفحة المؤتمر

  بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعدَه، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، ونبيُّه وصفيه وحبيبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد فى سبيل الله حتى أتاه اليقين. فاللهم صلِّ وسلم عليه فى الأولين وفى الآخرين، وفى الملإ الأعلى إلى يوم الدين ، وفى كل وقتٍ وحينٍ.

مرحبًا وأهلًا وسهلًا بكم فى الديار المصرية، أحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه جلسة مباركة تحفها الملائكة؛ لأن موضوعها هو أشرف موضوع، وهو سُنة المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم.

والسُّنة والسيرة تنير القلوب، وعلمها يكون سببًا فى غفران الذنوب، وفى تيسير الغيوب، كيف لا، وهى سُنة الحبيب صلى الله عليه وسلم. ندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل جَمْعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرقنا مِن بعده تفرُّقًا معصومًا، وألَّا يجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا، وأن يحشرنا تحت لواء نبيِّهِ يوم القيامة، وأن نشرب من يده الشريفة شربةَ ماءٍ لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم يدخلنا الجنة من غير حساب، ولا سابقة عقاب ولا عتاب، بحبه لنبيه ولأمة نبيه، فاللهم يا أرحم الراحمين استجبْ ، آمين.

منذ ربع قرن اجتمعنا على أن ننقل هذا الدِّين لمن بعدها، كيف ذلك، ورأينا محور الحضارة الإسلامية التى بناها المسلمون: الكتاب والسُّنة، محور الحضارة الكتاب والسنة، وهما لا يفترقان حتى يَرِدا إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. ومحور الحضارة معناه أن المنطلق منهما، وأن العودة إليهما، وأن بهما تقويم العمل، وأن الخدمة لهما ، هذا معنى المحور.

واتفقنا أن نخدم الكتاب والسنة، وعلى هذا نشأت جمعية المكنز الإسلامى، تريد أن تخدم الكتاب والسنة فى الشكل وفى المضمون. واتفقنا فى كل أعمالنا شكلًا ومضمونًا أن نرى أعلى نقطة وصل إليها المسلمون فى أى مجال من المجالات ونبدأ منها.

وبدأنا فى ترتيب ما كان من شأن الشكل بالخط العربى، ووجدنا أن أحسن خطٍّ كُتبت به العربية هو ما تفضل به الشيخ محمد خلف الحسينى شيخ المقارئ المصرية، فى طبعة مصحف فؤاد، الذى طبع فى سنة 1342 هـ، وكتب أصله الشيخ محمد خلف الحسينى شيخ المقارئ المصرية. وبحثنا أين هذا الخط، وأين أصوله، فوجدناها قد ضاعت، وجلسنا سنين نفك شفرة هذا الخط، حتى نكتب به كتب السنة المشرفة، فيكون أحسن الكلام يكتب بخير الخط، وجلسنا نفك الشفرة فى بلاد متعددة: فى لندن، وفى القاهرة، وفى ألمانيا. حتى استطعنا أن نفك شفرته، ووجدنا أن صندوق الحروف الذى بُنى عليه هذا الخط أكثر من 2000 عين، فى حين أن الخط المعتاد 140 فقط. وعرفنا مدى جمال وحلاوة هذا الخط، ثم لما طبعنا كتب السنة المشرفة طبعناها به.

ثم ذهبنا إلى التذهيب، وإلى التجليد، وإلى الزخرفة، ورأينا أين وصل المسلمون فى نهايتهم فى العصر المملوكي، أو فى غيره، أو فى العثماني، أو فى غيره، وأخذنا نقطة النهاية وبدأنا بها؛ إحياءً لتراث الأمة، وحبًّا فى سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم.

حبه فرض على كل المسلمين، ليس عقلًا فقط، وليس اتباعًا فقط، بل عاطفة فى القلب أيضًا. ينبغى أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أحاديثه قد أنارت وجهك.

بعد فكرة نقطة النهاية وبدء العمل بدأنا نبحث عن أوثق المخطوطات التى تحت أيدينا؛ لأن القرن السادس هو نهايتنا فى إدراك المخطوطات التى تحت أيدينا، ولأن العلماء حتى القرن السادس والسابع اهتموا بالتوثيق وبالقراءة وبالتحرير، فكانت النسخ التى كتبت فى هذا الزمان أجود النسخ.

وحرصنا أن نجمع نسخًا كثيرة لكل كتاب من كتب السنة المشرفة ودواوينها، لم يفقد شىء من السنة المشرفة، والحمد لله رب العالمين، وهذه معجزة الحفظ.

التوثيق الذى ألهمه الله للمسلمين لم يلهمه لأمة من قبل، ولم يجعله لإنسان من قبل، سواء أكان نبيًّا أو وليًّا أو حاكمًا أو أديبًا أو شاعرًا، وإلى يوم الناس هذا، وإلى يوم الدين، تفرد به النبى صلى الله عليه وسلم تأييدًا من ربه.

كنا نريد أن نغوص فى منهج التراث، ونرى كيف كان، ولا نقف عند مسائله، وجعلنا هذا قاعدة تُتبَع، كنا نريد - ونحن نريد أن نُبلِّغ هذا الدِّين لمن بعدنا ليرفعوا اللواء كما رفعه أسلافنا - أن ندرب الباحثين، واشتغلت جماعة ترجو وجه الله، وتحب الرسول صلى الله عليه وسلم فى هذا، وتدربوا، حتى إن بعضهم قد حفظ البخاري متنًا وسندًا، من كثرة التكرار.

ذكرنى هذا بما قاله البخارى حين سُئِل: كيف وصلتَ إلى هذا الحفظ؟ قال: بكثرة النظر إلى الكتب. من كثرة التكرار والعيش مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نوَّر الله قلوبهم، فحفظوا أحاديثه، وحفظوا أسانيدها.

اهتممنا كثيرًا بهذا فى قواعد اتفقنا عليها؛ أن نوثق النصوص، وأن نفهم النصوص، وأن تكون النصوص حُجَّة لنا، وأن نجعلها محورًا لحضارتنا، وأن ننطلق بها إلى العالم وإلى أبنائنا وأحفادنا مِن بعدنا، فقد اختصَّ الله الأمة بالسند.

يشرفنا ويشرف المكان إمامٌ مُعمَّر، أَذِن الله أن يُلحِق السابقين باللاحقين وبالقادمين، وهو سيدى الشيخ معوض عوض إبراهيم، الذى تجاوز المئة بسنتين أو ثلاث. هو الآن يجلس فى واسطة العقد، نسأله الدعاء، والإجازة بالأسانيد التى توصلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذه الإجازة التى كانت من خصائص الأمة هى التى ستحمينا من المشكِّكين، ومن أصحاب الشبهات.

تخيل أنك صافحتَ أو رأيت أو سمعت من صافح أو سمع أو رأى من سمع أو رأى، إلى منتهى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، سيدنا حقيقةً، ليس وهمًا ولا تاريخًا، إنه يعيش فينا، ونعيش فيه، لا نقف عند التوثيق والفهم والحجية، بل إننا نريد أن نعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتفقنا وفعلنا، وها هنا اجتمعنا بعد ربع قرن بعد خمس وعشرين سنة، نَعرِض ما فعلناه وأنتجناه. كل عمل لا بد فيه من الأخذ والرد والمناقشة، وأن تراه أكثر من عين، أعمالنا ليس خالية ولا معصومة، ولكن العلم رَحِم بيننا.

بركة هذا اللقاء فى بدايته نطلب فيه من الشيخ معوض أن يذكر لنا سنده عن الشيخ الزنكلونى، وهو سند عالٍ، حتى نتبرك به، ثم أختم كلمتى حتى لا أثقل عليكم، وأقول لكم: أهلًا وسهلًا بكم فى هذا المؤتمر الكريم، الذى موضوعه هو أشرف الموضوعات، كان وسيظل إلى يوم الدين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العودة لصفحة المؤتمر